ثرثرة: حدث في العزلة

D4KUNgrWsAMXf70

خطر في ذهني اليوم أنه لو أراد أحدهم فيما بعد التعرف على حياتي وما مر بها من خلال ما أكتبه، فسيلزمه قراءة الكثير؛ لن يستطيع إيجاد كل شيء في مكان واحد، كدفتر مذكرات مثلًا، ولتكتمل الصورة تقريبًا عليه مراجعة يوميات وخواطر وبوح وخربشات متفرقة بين الدفاتر المختلفة، بالإضافة إلى التدوينات الرقمية. يبدو الأمر متعبًا بعض الشيء😅 لكنه بذلك سيعرف أيضًا كم كنت أحب التنظيم والتصنيف وكيف أنه يريحني تقسيمها بهذا الشكل. ومما لا شك فيه أن هذه الثرثرات ستكون من أهم صفحات حياتي.

بدأت فعلًا أحب هذه الثرثرات وأشعر بالحاجة لكتابتها، وكأنها النافذة الرئيسة للحديث مع من يمر هنا، والمحطة التي أستريح عندها بعد عدد من التدوينات، وكأنها بعض نفسي الذي يعود كل فترة ليشكل حبلًا متصلًا بين كل ما مضى. أشعر فعلًا برغبة كبيرة للكتابة هذه الأسابيع ربما بسبب أن الكثير يحدث خلال فترة قصيرة. بكل حال غالب هذه الثرثرة سيكون أفكارًا وخواطر من فترة العزلة عن الشبكة.

44511054_2205156523074825_6288302819694870528_n

خلال تلك العزلة، قمت بنشاط حميم، يتضمن كتابة أجمل المواقف والمحطات التي مرت بي خلال ما مضى من عمري، وقمت بتقسيمه إلى: مرحلة الطفولة، مرحلة الإعدادي والثانوي، المرحلة الجامعية، وما بعد التخرج، طبعًا المحطة الأخيرة لدي تفصيل للكثير مما فيها؛ لأنني بدأت بكتابة الجرد وبعض اليوميات وغيرها. إذن بدأت بالكتابة وبدأت تخرج معي العديد من الذكريات، وكنت مهتمة خصيصًا بأولى مرحلتين لأنهما كانتا تتسمان عمومًا بشيء من الهدوء والوحدة، من هذه الذكريات ما كان ما يشكل حالة مستمرة، ومنها كان موقفًا لا زال محفورًا في ذهني بعناية.

بعد أخذ نظرة سريعة لاحظت مثلًا أنني لطالما كنت مهتمة بالأجهزة الإلكترونية واقتناءها، وأن حصولي على واحد جديد منها كان بمثابة شيء كبير، في المقابل لم يرد أي ذكر لشيء يتعلق بلباس أو مستحضر أو حفلة😋. لاحظت أنني لطالما أحببت الكتب، والأوراق والأقلام، وأنها ستبقى دومًا من أفضل الذكريات بالنسبة لي أيام تعلمي مهارتي القراءة والكتابة، والتي لا أزال أعتبر امتلاكي لهما بمثابة السحر، أحمد الله لهذه النعمة العظيمة، وأشكر والديّ وأخوتي وكل ما ساعدني على اكتسابها. ومن أفضل اللحظات كذلك تعرفي على بعض الشخصيات التي كان لها الأثر الكبير علي وكيف أنني أحرص للآن على إبقاء التواصل معها أو متابعتها.

كان نشاطًا دافئًا، وفي كل مرة أعاود قراءة ما كتبت أبتسم وأتأثر. ممتنة على كل لحظة جميلة في حياتي، لله أولًا وفضله وكرمه، ممتنة لكل إنسان كان صانعًا لهذه اللحظات أو سببًا فيها، ممتنة لكل شيء جميل في حياتي. اللهم أدم علينا نعمك واجعلنا من الشاكرين لها.

https41.media.tumblr.comc36bd462f29e3e2cbec2df457c27ab70tumblr_nugwrmxunm1s5ag1so1_1280

نشاط آخر قمت به خلال هذه الفترة، وهو قراءة ما أكتبه كنوع من تفريغ للدماغ على ورق، وهذه الصفحات ليس لكتابتها شكل أو لغة أو وقت محدد، حتى أنني اخترت لها دفترًا ليس بذاك الأناقة حتى أكتب دون تقييد😁. ومن أجمل الأمور التي أدركتها أثناء القراءة كيف أن الكتابة -بالإضافة أنها حافظة لبعض الأحداث والمشاعر- تساعدني كثيرًا في تنظيم أفكاري، وأنها مناسبة جدًا حين أشعر بالفوضى تعم أيامي، أنها تستطيع فعلًا أن تكشف لي أحيانًا عن سبب انزعاجي أو ضيقي، وكانت مرجعًا هامًا في أمر لاحظته وتابعته أكثر تلك الفترة وهو معرفة كيف ومتى وماذا يناسبني.

في الحقيقة كان أمر البحث عما يناسبني أو “لحني الداخلي” (كما دعته مرة هيفا القحطاني)، من أكبر المعينات لي في فهم نفسي ومنشأ تصرفاتي، وأيضًا في تخطيطي للقادم من الأعمال. فمثلًا كنت ألوم نفسي لأنني كرهت القيام بأمر ما في فترة صعبة مرت على العائلة، وأصف نفسي ببعض الأنانية والكسل، لكن ما أدركته لاحقًا أن الأمر لا يتعلق بأني لا أريد المساعدة، وإنما كرهي لذلك الأمر تحديدًا؛ لأنه يدفعني للاستيقاظ مبكرًا أو عدة مرات خلال الليل، وعمومًا هو شيء أتجنبه لما يسببه لي من مشاكل معنوية وصحية حتى. في مثال آخر كذلك أدركت أكثر كم أنني أميل لأكون مسائية أو ليلة، وأنني أشعر بالطاقة تتجدد في نفسي في مثل هذه الأوقات.

تعرفت على المزيد مما أحبه ولا أفعل، ما يريحني ويسعدني فأحاول استغلاله لتحقيق نتائج أفضل وملء أوقاتي بلحظات أسعد، وما يضايقني أو يزعجني فاختار –حسب الموقف- تغييره أو تقبله والتعامل معه أو ببساطة تجنبه. وعرفت حقًا كيف يمكن أحيانًا لتفاصيل غير ظاهرة أن تكون ذات وقع كبير نسبيًا على النفس. وزادت قناعتي أن اختلافنا وتنوعنا هو ما يجعلنا أجمل، ويجعل كل ما منا جميلًا بطريقته!

50690921_2261102727480204_4092373542618791936_n

 لطالما كان “أحد أفراد عائلتي” بالنسبة لي شخصًا أتمنى أن أجد عنده القبول والرضا، كنت أحب إطاعته في غالب الأمور وأسعد وأفخر بذلك أيضًا، من ناحية كان هذا عونًا كبيرًا بالنسبة لي في مواقف ومحطات، لكنه بالمقابل أوصلني في مرحلة ما إلى اتخاذ قرارات وسلك اتجاهات لا أريدها –أو ظننت أني أريدها- لتحقيق رغباته وأحلامه، ثم الاصطدام بما في نفسي، حسنًا كانت تلك فترة ومضت وتعلمت منها الكثير، لكن لا أنكر أنني لا زالت للآن لدي بعض تلك الشوائب، ولا زلت أحب أن أبدو في عينيه أفضل.

في ذلك اليوم منذ فترة (خلال العزلة كذلك)، سألت نفسي ولماذا تهمني فكرته ونظرته لي بكل حال؟ لماذا أحاول جاهدة لفت نظره إلى جانبي المشرق رغم أن ذلك ليس من طباع شخصيتي أصلًا؟ صحيح أنني لم أستمر في الموافقة والاتباع لكل شيء يقوله، لكنني بالمقابل لا زلت حريصة أن يعجبه ما أفعل، وإذا ما حصل موقف وعبّر فيه عن صورة تغاير حقيقة ما بي لم أكن أعترض وأبرر جاهدة كما في السابق لكنني أقول سيعلم الحقيقة مع الوقت، والآن أتساءل هل يبدو أيًا من ذلك ضروريًا؟ لماذا أعلق نفسي بأفكاره وتصوراته عني؟ أو بالأحرى بما أفهم أنها تصوراته عني؟ وببضع كلمات تصفني لا أدري أهي حقيقة أم مبالغة لما يشعر؟

التخلص من أمر كهذا ليس سهلًا ولا سريعًا، سأحتاج مراجعة بعض الأفكار ومراقبة بعض السلوكيات، لكنني ممتنة على الأقل أنني قد وعيّت ذلك، وسأحاول جاهدة أن أخفف حجم اهتمامي بما يظن، وأرسم لنفسي خيارات لا تأخذ فيها رغبته ورضاه حيزًا كبيرًا. ببساطة علي أن أكون أنا بحسناتي وعيوبي، باختياراتي ومفضلاتي، مع إدراكي أن هذا لا يمنعني من الأخذ بنصيحته وأفكاره واقتراحته دومًا، ولا يأخذ علاقتنا إلى منحنىً خاطئ بل بالعكس ربما هذا سيجعلها أفضل.

53423705_2294484280808715_7796182776947933184_n

توصيات

وصلنا لفقرة التوصيات، وتوصية اليوم عبارة عن بودكاست HazCast، الذي يقدمه حازم الصدّيق، ويلتقي به في كل مرة إحدى الشخصيات (ممن حوله وأصدقاءه حاليًا) ويتناولون فيه مواضيع متنوعة. استمعت لعدة حلقات من البودكاست، وأتعلم منها الكثير، كما أن إنصات المقدم وتفاعله وأسئلته تساهم في صنع حلقة جيدة، لذلك أجده يستحق التوصية.

هنا الصفحة الرئيسة للبودكاست، وبالطبع يمكنكم الاستماع له عبر منصات البودكاست المختلفة.

أتمنى أنني لم أزعجكم بثرثرتي هذه المرة، ودعواتكم بالتوفيق🍀

الإعلانات

11 فكرة على ”ثرثرة: حدث في العزلة

  1. تنبيه: روابط: من مدوناتكم – صفحات صغيرة

  2. كم تراودني فكرة العزلة عن كل المنصات الاجتماعيه ، التقنيه منها والواقعيه ، الا ما وجب منها ، اتحمس جدا كلما رأيت من سبقني بعزله تكون فيها ايامه اصفا من الماء الزلال ، واشرق من شمس الصباح .
    ولم يعد ترددي بسبب صعوبة ترك تلك المنصات على النفس ، بل اصبحت تلك المنصات اشبه بحمل ثقيل لا استطيع تحمله ، خصوصا بعد حادثه حدثت معي الليلة الماضيه لعلي اتحدث عنها لاحقا ، هنا في هذه المدونه والتي تكاسلت عن تنشيطها واحيائها منذ فتره طويلة ، رغم شوقي لها واحتياجي ايضا .

    معجب بعلاقتك مع ذاتك وقرب المسافه بينك وبينها

    ارجو ان يكون مروري خفيف الظل .

    Liked by 1 person

    1. إن كان الأمر صعبًا فيمكنك بداية أن تجرب ذلك لفترة قصيرة يوم أو يومان مثلًا، ثم تبدأ تدريجيًا بالابتعاد
      أو يمكنك تجربة بعض الحلول المنتشرة في الشبكة للتقليل من استخدامك لهذه المنصات حتى لو لم تهجرها كليًا

      حسنًا لا أعتقد أن الأيام ستغدو بذاك الصفاء والإشراق😁 فلكل أمر صعوباته وتحدياته بلا شك
      لكنني بالطبع أشجع على خطوة كهذه، وأشجع أكثر على الكتابة في مدونتك وأتمنى أقرأ قريبًا شيئًا منها 🙂

      الشكر لإطرائك، وأسعدني مرورك☘

      إعجاب

  3. حنين داغر

    اليوم تذكرت أنه مضى وقت لم أزُر في مدونتك..
    أجمل ما تكتبين أن كتاباتك مريحة، مريحة حقاً.. حينما نظن أننا لا نملك أي وسيلة لإسعاد أنفسنا تأتين لتؤكدي لنا عكس الظنون.. كنت أرى نفسي بسيطة ولا تحب التكلف ولكن أدركت أنها صفة أنت أحق بها.

    كل التحية لك صديقتي
    أدام الله قلمك

    Liked by 1 person

  4. بداية يا نوار أنا لا أعرفك لكن أجد أن نفسي تعرفك و أن هناك أشياء كتبتها و أحبتها نفسي، كل ما كتبته بدى لي مألوفا جداا ،حقيقة لا أنكر أني تخيلت أنك تعرفينني و تكتبين عني ليس كل ما كتبته مثلني، لكن العديد منه يمثلني …قلة هي اللحظات التي تصادفني مع من يشابهني في بعض تفاصيلي التي أعتبرها بسيطة و لكنني معتزة بها بشكل خاص و حميمي😁تدوينتك لامستني نوار و ماأجمله من إسم …أول تدوينة أقرأها هنا هي تدوينتك و أول تعليق أتلقاه هو تعليقك 😍
    أتمنى أن نبني صداقة كتابية أيتها الجميلة 🌸و أعتذر على التعليق الأول …أرسل بسرعة😅

    Liked by 1 person

    1. في الحقيقة جاء تعليقك في وقته المناسب ليسعدني ويرسم لي الابتسامة :’)
      مسرورة أن نالت حروفي إعجابكِ وأن لامست شيئًا فيكِ☘
      ” في بعض تفاصيلي التي أعتبرها بسيطة و لكنني معتزة بها بشكل خاص و حميمي😁” حسنًا أعتقد أنك تتحدثن عني أيضًا هنا!😄
      كان لي الشرف أن أكون الأولى في هذا، وأرجو ألا يخيب ظنك بي مستقبلًا، وبالطبع سأسعد جدًا بهذه الصداقة🥰
      كل الشكر لمرورك وتعليقك، ولا بأس فقد دمجت التعليقين معًا😉

      امتناني الشديد💕

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s