عزلة عن الشبكة: التجربة

carpxqdowek

التجربة: الانقطاع عن شبكة الإنترنت، وتقليل استخدام الأجهزة التقنية، الهاتف خصوصًا (لتفاصيل أكثر راجع التدوينات السابقة ).

زمن التجربة: أسبوع كامل من مساء السبت 20-7 وحتى مساء السبت الذي يليه 27-7.

*ملاحظة: لم تبدأ التجربة في لحظة معينة، فقبلها بأيام قليلة كنت قد بدأت نفسي طوعًا بالابتعاد شيئًا فشيئًا.

الظروف المحيطة: لا شك أن التجارب تتأثر بما حولها من ظروف، وربما لو تغيرت الظروف سيتغير شيء في النتائج. بالنسبة لظروف هذه التجربة فقد تمت في فصل الصيف، المنزل مليء بأخوتي وأطفالهم، وأصابتني بعض التوعكات الصحية خلال أيام التجربة.

المخرجات: بعض هذه المخرجات لاحظتها خلال أيام التجربة، وبعضها في نهايتها، والبعض الآخر لم أنتبه سوى بعد إعادتي للشبكة حين العودة للوضع الأصلي وملاحظة الفرق. وقد فضلت الكتابة على شكل فقرات قصيرة لتسهيل الشرح.

سهولة الاتصال بالشبكة

كان في بداية ما لاحظته سهولة الاتصال بالإنترنت في هذه الأيام، فالأمر لم يعد كما في السابق عندما كنت تحتاج للتمديدات والأسلاك للاتصال، وفقدانها يعني عدم تمكنك من الولوج للشبكة (بالمناسبة هذه الطريقة التي كان يستخدمها والدي حين حصولي على علامات متدينة –بنظره- في المدرسة وبداية الجامعة 😋)، أما الآن فالأمر لا يحتاج سوى لبعض نقرات من الجهاز للاتصال، مما يعني بالنسبة لي تحديًا بسهولة إعادة الاتصال أثناء العزلة.

التزام كامل

والحمدلله لم يخب ظني بنفسي التي اعتدت منها الالتزام، فلم أقم بإعادة الاتصال بالإنترنت أبدًا خلال هذه الفترة، وفي الحقيقة لم أشعر داخلي بتلك الرغبة الكبيرة التي تدفعني لفعل ذلك، من باب الصدق في مرة واحدة سولت لي نفسي فعلها لدى اكتشافي أنني فقدت ملفًا مهمًا يساعد في عمل ملف آخر، فقلت سأحمله فقط ومن داخل البرنامج أيضًا، لكنني تغاضيت عن الأمر كله أصلًا. لكن في حال إن كنت لاحظت من نفسي تقاعسًا في هذا الأمر فكنت سألجأ لحلول أصعب تقنية كانت أو مادية، أو أطلب المساعدة من الآخرين، فمثلا أخبئ أجهزتي لدى أحدهم وأطلب منه عدم إعادتها لي وهكذا، لكن الحمدلله قطع الاتصال كان كافيًا بالنسبة لي.

التمهل

من أهم الملامح الطيبة التي شعرت بها، هو البطئ والتمهل أكثر في أداء الأعمال (حتى لو ذهنيًا)، ففي العادة أكون متعجلة وأريد مثلًا إنهاء بعض الأعمال في المنزل للعودة إلى أشغالي، لكن في هذه التجربة كنت كلما تعجلت ذكّرت نفسي أن لا شبكة هناك وأنني في شبه إجازة فلأنجز الأشياء بروية وباستمتاع أيضًا. فكرة التمهل بحد ذاتها مرتبطة بالكثير من الأشياء وأنا أعمل عليها منذ زمن وفي تحسن الحمدلله، لكن لاحظت أن غياب التكنولوجيا يساهم في ذلك كثيرًا، حيث كل شيء سريع في هذا العالم الافتراضي، وغيابها أشعرني بالمزيد من السكينة خلال الأعمال المختلفة.

حياة صغيرة بسيطة

من أجمل المشاعر التي أحسست بها، أنني في هذه اللحظات أمتلك حياة صغيرة أعرف تقريبًا حدودها وأبعادها، ربما بالنسبة للبعض هذا شعور ملل وخالٍ من المغامرة، لكن بالنسبة لي أحب نمط الحيوات البسيطة هذه، والمشاريع والوظائف الصغيرة المحفوفة بالرضا، وأشعر أن هذه الأمور تشابهني، أو كما يقول أحدهم إنني أفضل أن أعيش حياة صغيرة امتلكها على ان أعيش حياة كبيرة تمتلكني !”.

كان منبع هذا الشعور أن الشبكة عالم واسع جدًا ومجهول، حين تلج إليه لا تعلم بماذا ومن أين قد تخرج؟ وكما هي نقطة لها فهي نقطة عليها. هذا الزخم من المواد والمعلومات وكل شيء يعطي حياتنا أبعادًا افتراضية مجهولة وغير ملموسة. فبغياب الشبكة كانت أيامي بسيطة ذات مهمات محددة ومواد مختارة مما أورثتني هذا الشعور.

تقليل المقارنة

هذه النقطة ستجد من يتحدث فيها بشكل أفضل من جرب الانقطاع عن وسائل التواصل الاجتماعي، وأنا عمومًا أفعل ذلك منذ زمن طويل، لكن مع ذلك فالناس في الشبكة يحيطون بك من كل مكان، حياتهم، أيامهم، ماذا يفعلون، أين يذهبون، وكلنا نتأثر بذلك، ولا داعٍ لمحاولة الإنكار فكلنا كذلك مهما زعمنا. والانقطاع عن الشبكة وعن هذه الوسائل تحديدًا سيخفف من حدة مقارنة نفسك بالأخرين، ويساعدك بالتركيز في حياتك أكثر، هذا عدا عن أمور أخرى كالتقليد ومحاولة المجاراة، نعم هذه المشاكل لها جذور أخرى في النفس، لكن الابتعاد سيساهم في إدراكها وعلاجها، وحتى الأمثلة التي ستراها أمامك واقعًا ستكون ذات ملامح حقيقة أكثر من تلك التي على الشبكة. أعتقد أن الكثيرين تحدثوا بمثل هذه الأمور فلن أستفيض بالشرح لكنني لاحظتها شخصيًا في عزلتي.

اللحظة الأولى

في العادة يخطر ببالي أو يصادفني موضوع، كتاب، شخصية، منتج معين أود البحث عنه، وفي العادة كذلك أمسك هاتفي وأبدأ بذلك، خلال العزلة عندما تكرر الأمر كنت أتذكر عدم وجود اتصال بالشبكة، وما هي سوى دقائق حتى أنسى الموضوع تمامًا، وحينها علمت أن الأمر يكمن في اللحظات الأولى التي بإمكانك أن تقول لنفسك فيها لا،  لا لن أتصفح الشبكة الآن.

ليست المشكلة في البحث فهو من أهم استخدامات الإنترنت، لكن في أن أقتطع من وقت عمل آخر أو أوقفه بمنتصفه، أو أن أدخل حقًا للبحث عن أمر معين فينتهي بي المطاف بداومة لا تنتهي، وفي حال كانت النتائج مرتبطة بصفحة على مواقع التواصل أو متعلقة بمنتجات استهلاكية فالأمر أصعب، وفي مرات أخرى بالفعل لا يكون الشيء بتلك الأهمية وإنما هو لمجرد إشباع فضول مؤقت. عمومًا الأمور التي أردت حقًا البحث عنها وبقيت في ذهني قمت بكتابتها وحين عودة الشبكة خصصت وقتًا للمرور عليها جميعًا وكان فعلًا أمرًا مريحًا وممتعًا، وأفكر بتكراره.

جلسة مع النفس

كانت العزلة فترة للتفكير والتوغل أكثر في النفس، ونعم أنا أفعل هذا الشيء غالبًا وبدون جهد كبير حتى، لكن هذه المرة اتسم بعمق أكبر، شعرت أنني أسبر أغوارًا في داخلي لم أصلها من قبل، وأطرق أبواب ذكريات لا تصادفني عادة، ليس لأنني أهرب منها مثلًا، لكنها لا تخطر ببالي فحسب، فعدت لمراحل مختلفة من حياتي، خرجت بأشياء جديدة إثر قراءتي لخواطري، أشياء مهمة لكنها لم تتجلى لي بهذا الوضوح من قبل، واتخذت قرارًا لم أعلم لماذا لم أتخذه في وقت أبكر؟ وكل هذا في أسبوع تقريبًا، لا أعلم لماذا سأصل إن امتدت العزلة أكثر! بكل حال لن أطيل بهذه الفقرة فربما فصلت فيها أكثر في ثرثرة قادمة، لكن الفكرة أنني رغم قربي من نفسي وتحليلي المستمر لمواقفي فربما فعلًا كانت هناك بعض المناطق في النفس تحتاج ذهنًا صافيًا للوصول إليها.

نشاطات بديلة

خلال فترة العزلة قمت بنشاطات لم أكن أواضب عليها عادة، مثل ممارسة بعض التمارين أو القراءة لفترات طويلة وغيرها، في الحقيقة لم تكن المشكلة في عدم وجود الوقت، فحياتي الشخصية ليست بذاك الانشغال الكبير أو لنقل أنا من يحدد درجة الانشغال فيها، فإذا أردت وقتًا يمكنني الاقتطاع قليلًا من وقت نومي أو ما قبله وسواه مما أعلم أنه يمكنني الأخذ منه، لكن المشكلة لا تكمن هنا، فلا يتعلق الأمر بالوقت فقط! وإنما بأن للإنسان طاقة محددة خلال اليوم، ولا يمكنه التركيز على عدد كبير من الأشياء في يوم واحد. من تجاربي وإطلاعي بت أدرك هذا جيدًا وأنصح الآخرين به، فلم أعد أربط نفسي بالتزامات كثيرة على أشكالها، وأصبحت أفضل في التخطيط والإنجاز. لكن تبقى هناك تلك الأعمال الصغيرة المنثورة خلال اليوم والتي ربما أعدها من صغائر الأعمال وما شابه، لكنها بطبيعة الحال ستأخذ من الذهن حيزًا كسواها، ويؤسفني القول أن تصفح الشبكة يتصدرها، وعندما نحيت الشبكة أفسحت المجال لأمور أخرى.

وكان هذا من أهم أهداف هذه العزلة، ترك المجال لاستبدال النشاطات المتعلقة بالشبكة بغيرها، وفكرت فعلًا أن علي البدء شيئًا فشيئًا بتغيير ذلك، وهنا لا أقصد أن أبدأ بفعل هذه الأمور بقصد تكوين العادة فهذا أمر آخر، وإنما كفعل جانبي لا التزام كبير فيه لكنه بالمقابل يملأ الوقت بشيء أفضل.

لا أحب أن تكوني تدويناتي طويلة زيادة، لذلك إن شاء الله سأستكمل معكم المخرجات وفصول أخرى في التجربة في تدوينة قادمة إن شاء الله :)

الإعلان

13 فكرة على ”عزلة عن الشبكة: التجربة

    1. أهلا بكِ في المدونة🌺
      نعم عليكي بالتجربة حتى لو لأيام معدودة، لن تخسري شيئًا😁
      وشكرًا لاهتمامك ومتابعتك💕

      إعجاب

  1. شكراً نوار على مشاركة هذه التفاصيل 3>
    أحب فكرة الحياة الصغيرة البسيطة و التي تعلمت كثير من ملامحها منك :’)
    أشعر أنني بحاجة لعزلة شبيهة !

    Liked by 1 person

  2. Esraa Bsharat

    من لما قرأت عن العزلة اللي كتبتيها وأنا استنى بفقرة
    جلسة مع النفس وتمهل من احلى الفقرات أثر
    شكرا للإفادة عزيزتي😉

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s