بعضٌ من حب💕

original

ربما كان يجدر بهذه التدوينة أن تُتم سابقتها حول موضوع أنواع القوائم، لكنني لم أتمكن من كتابتها ونشرها؛ نظرًا لأنني لم أكن في المنزل خلال هذا الأسبوع، فقد حظيت بإجازة قصيرة ودون أدنى تخطيط مسبق في قرية أقاربي في إربد. وقد خطرت لي كتابة هذه الكلمات أثناء طريق العودة إلى عمّان.

أثناء المسير تساقطت بعض زخات المطر المُداعبة لزجاج السيارات، دون تردد أخرجتُ يدي من النافذة لتلامس بعضها قبل أن تصل الأرض. صحيح أنني لا أحب الشتاء، لكنني أحب المطر، أحبه أكثر حين تكون الشمس مشرقة والجو دافئًا. على ما يبدو أن اليوم سيكون الأخير من الأيام الدافئة نسبيًا، وشيئًا فشيئًا سيبدأ البرد يتسلل للبيوت والأبدان.

لتمضية وقت العودة والذي غالبًا ما أشعر به طويلًا وربما تحفه الأشجان، أخترت قراءة رواية ما موجودة في هاتفي، رغم معرفتي أن هناك فرصة كبيرة للإصابة بدوار الحركة، ويبدو أنني في بعض المقاطع كنت مستغرقة، فلم ألبث أن أجد أننا قد أصبحنا على مقربة من المنزل، وقد تجاوزنا بعض المناطق التي لا أفضلها. لا أعتقد أنني من قرّاء الروايات عمومًا (عدا البوليسية ربما😅) لكنني أحب الروايات التي تمتد أحداثها على سنين طويلة جدًا، بعدد صفحات غير قليل، بلا قصر مخل أو إسهاب ممل؛ لأنني أشعر أنني معها أتابع –تقريبًا- حياة كاملة، ألاحظ خلالها تبدل الأحوال وتطور الشخصيات المختلفة (منها على سبيل المثال رواية ساق البامبو).

في مقطع ما في هذه الرواية، دار حوار بين الأبطال حول كيف تمضي حياة كل منهم حتى الآن؟ وما هي الأمور التي بإمكانهم تغييرها فيها؟ دفعني ذلك لمشاركتهم الحوار أيضًا، ولم يكن ذلك صعبًا إجمالًا؛ نسبة لأنني أطرح على نفسي هذا السؤال كل فترة، خصيصًا مع جو يدعو لبعض العزلة والتفكير، واقتراب نهاية العام حيث يحين وقت الجرد ووضع أهداف جديدة. لكنني اليوم تحديدًا لم أفكر كثيرًا في ما أريد تغييره قدر امتناني لما لدي أصلًا.

أظن أنه تملكني في تلك اللحظات –ولا زال- شعور الشكر والامتنان الجزيل لإلهي الكريم العظيم، لكل تلك النعم التي تحيطني، وأزداد شعوري هذا مع مرور الوقت، بوصولنا بأمان وسلام، بمعرفتي أن هناك منزلًا جميلًا دافئًا سيكون بانتظاري، وغرفة صغيرة ملونة أحن لها. بأب وأم بصحة وعافية بفضل الله، وأخوة عديدون، مختلفو الطباع والسلوك، وإن اتفقوا بحنانهم وكرمهم. بأطفال يقدمون لي من الحب أكثر مما أتمنى (أو ربما استحق)، لم يلبثوا أن شاركوني وجبة الطعام محتلين جميع كراسي الكبار، وثم مجتمعين في هذه الغرفة الصغيرة يملأونها صخبًا وغناءً. والآن يشاركني مجلسي أحدهم، بالكتابة في أوراقه بعد أن تعلم بعض حروف الهجاء.

d75c0a54-2e48-4cee-97b3-057c708b308e

عدتُ إلى منزلي بحب، بعد أن كنت كذلك محاطة بالحب، بحب تلك القرية الصغيرة الجميلة في كل الفصول، والتي تحتفل هذه الأيام بموسم قطف وعصر الزيتون. في كل منزل يفتح لي أبوابه لأشارك أصحابه ساعاتهم، في كل سلام واحتضان ولقاء، في كل وجه يحيني بابتسامة وأشواق، في جَدة مباركة-حفظها الله- كل ما فيها يفيض حبًا ودعاء، وأقارب يرعونني باهتمام. في كل لقمة تناولنتها إن كانت في فطور خالتي المتنوع صباحًا، وكأس الشاي اللذيذ خاصتها بعد العصر، أو في وجبة طيبة أعدتها إحدى الشابات. في كل قطعة وغرض بسيطًا كان أم ثمينًا خُبئ لي خصيصًا. في كل مرة يمنحني أحدهم فيها الثقة ليأتمنني أسراره، أو يطلب مني النصيحة والمشورة، أو يتصرف أمامي غير خائف من كشف عيويه.

في زيارة “نور” وطفليها الوسيمين، والتي ربما حرمتنا بعض النوم صباحًا، لكنها تملأ البيت حياة. في اللحظات الأخيرة هناك، حين تطلب مني جدتي أن أحضر معي والديّ في المرة القادمة، ووصايا خالتي المتكررة ألا أطيل الغياب للمجيء مجددًا. في عناق “فرح” الحميم الذي يختصر الكثير مما أرادت قوله في الأيام الماضية، وتجهم “رشا” المحبب وطلبها المتكرر ألا أودعها لأنها تكره مثل هذه اللحظات، في حزن “أمونة الصغيرة” البريء وهي تلوح بيدها لي، وطلبها أن أقضي ليلة في منزلهم. (اليوم تحديدًا شعرت بالسوء لأني لا ألبي لها هذه الرغبة عادة، وعزمت في مرة قادمة أن أفعل).

نعم، ربما لا تكون حياتي في أفضل أحوالها مثلًا، وأنني حقًا بحاجة لبعض الخطوات الكبيرة لتجاوز بعض الصعوبات، لكنني أعلم أنني أملك حياة تحفها نعم الله من كل جانب، وأن هداياه ومفاجآته لا تنقطع عنها يومًا، أنني لست بحاجة كبيرة للمتع المزيفة لأشعر بالسعادة، وأنني ما دمت في رعايته ورحمته –جل شأنه- فكرمه سيأتيني في أي مكان أو زمان كنت.

ممتنة لله على الصحة والعافية التي أبقاني بها في مثل هذه الأجواء وتبدل الأماكن، ممتنة على انحداري من سلاسة طيبة، ووجود أقارب ذوي حنان وكرم، أستطيع زيارتهم كل فترة، وأن أبقى لديهم قدر ما أشاء، ولأنهم يقطنون في قرية وديعة تريحني كل فترة من زحام المدن وتسارعها. ممتنة على الأمان، والسلام، والخير، والعطف، والبركة.

الحمدلله العلي العظيم، الحمد له حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. الشكر والامتنان لكل من كان يومًا سببًا في وجودي وطمأنينتي وسعادتي. الشكر للأوقات الغالية، والأماكن الدافئة، والأرواح التي نحب❤.

الإعلان

7 أفكار على ”بعضٌ من حب💕

  1. ولئن شكرتم لأزيدنكم
    أحييك على نفسك الشاكرة ربها.. الحامدة له.. ألهمتيني في وسط شعور من الحزن كان داخلي، وإرهاق شديد أن أنظر للأمور بمنحى مختلف.. شكرا لك 🌹

    Liked by 1 person

  2. تنبيه: التدوين في 2019 – نواريات

  3. Esraa Bsharat

    هذه التدوينة البسيطة لامست قلبي خصوصا الأوقات الرائعة التي تقضيها وسط أقارب يبثون الحب والحنان

    Liked by 1 person

    1. قلب عطوف وطيب كقلبك لا يلزمه الكثير لتدخله كلمات ولحظات المحبة💕
      دمتِ ودام لكِ كل من تحبين❤
      ودمتِ لي طبعًا😁

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s