في حب الأشياء : المذياع

radio-vintage-ivoire

نسبة لبعض الظروف والأجواء غير السعيدة في بداية هذا الخريف، فقد قررت الكتابة عن شيء أحبه، ووقع اختياري على “المذياع”؛ حيث كنت قبل فترة أقرأ مقالًا صادفته حول مراحل اختراعه، وقد شدّني فعلًا رغم أنه كان مجرد سرد عادي. وحينها تذكرت كل تلك المرات التي كنت أشعر بالأنس بها لأي خاطرة أو تدوينة تدور حول هذا الجهاز، وأنني أحيانًا أبحث عن كتب أو وثائقيات تتحدث عنه. وهذه التدوينة ليست دعوة للاستماع للمذياع أو تعظيمه كجهاز، لكنها مجرد خواطر قصيرة حول شيء أحبه، وشكّل جزءًا من حياتي.

لدي مع هذا الجهاز قصص وحكاوٍ كثيرة، فكأي شخص من جيل التسعينات، كان لا يزال المذياع في طفولتي يشكل عنصرًا مهمًا خصيصًا قبل دخول الحاسوب إلى البيت (وحتى بعد دخوله)، فلطالمنا رافقنا في أيامنا وليالينا. ولا أزال أذكر كيف أن بعض البرامج وافتتاحياتها وأصوات مقدميها تبقى مرتبطة بأوقات معينة من اليوم، أو بمواقف مخصوصة.

أذكر حرص إخوتي على الاستماع لأحد المسلسلات الإذاعية، والذي كانت لا تتجاوز مدته الربع ساعة، وأنهم كانوا يطلبون من بعضهم تسجيل الحلقة في حال لم يكن أحدهم متواجدًا وقت بثه، والفضل في ذلك طبعًا للاختراع الشقيق المسجل. كانت فقرة “المسلسل الإذاعي” بحد ذاتها شيئًا مختلفًا ومدهشًا بالنسبة لي، وكيف كان يذكي الخيال لتصور كل تلك المشاهد التي تحدث دون وجود صورة أمامي.

وبالاستعانة بالمسجل قام أخوتي يومًا ما بعمل برنامج إذاعي طويل، وبين المدة والأخرى كنت أُستدعى فيه لغناء أغاني الطفولة التي حفظتها في رياض الأطفال، مصحوبة بصوت الدّف. كان يومًا إذاعيًا بامتياز، تستمع به لمحاولاتهم في التقديم، ثم يدخل صوت إذاعة حقيقي، وبكاء أخي الصغير يتبعه صوت أمي. وبقي شريط “الكاسيت” هذا لدينا وقتًا طويلًا، ويُسمع باستمرار، حتى أضحت بعض الجمل التي تقال به تدخل في أحاديثنا اليومية، ولست أدري أين وصل اليوم، لكن أتمنى أن يكون لدى أحدهم.

أذكر كذلك محاولاتي لتسجيل برنامجي الخاص، والذي كنت أؤدي به دور المستضيفة، وما ضيوفي سوى مجموعة الدمى المحشوة التي أمتلكها، والذين أؤدي أنا أصواتهم بالطبع😁 ويبدو أن الأيدي قد تناقلت هذه المادة الرائعة حتى وصلت لأبي واستمع لها بالصدفة في سيارته، ولكم أن تتخيلوا مقدار سعادته بسماع ذاك مقابل مقدار حرجي😅.  وبالمناسبة أستمر أخوتي طويلًا في عادتنا هذه، فحتى بعد دخول الكمبيوتر بقينا نسجل البرامج، أو الأناشيد التي نحفظها في المدرسة، لكن هذه المرة مع القدرة على بعض المونتاج وإدخال المؤثرات😋

في سنوات المدرسة كان للمذياع أهمية خاصة، ففي حال كانت المادة الدراسية لا تتطلب الحفظ فلا بد لشيء صوتي أن يرافق مذاكرتي لها، وقد أخبرني أبي يومًا أنه كان دأبه كذلك، فكان يضع الموسيقى الكلاسيكية أثناء دراسته. وأذكر تحديدًا فترة الثانوبة العامة “التوجيهي”، التي كان المذياع من أهم العناصر التي شكلتها، فأثناء ساعات الدراسة غير القصيرة، والبعد عن الحاسوب والتلفاز، كان هذا هو الأنيس، وأود شكر والدي الذي قدّر ذلك حتى أنه أهداني مذياعًا صغيرًا بعض الشيء، مكعب الشكل، وكان من مقتنياتي الغالية. بحثت في الشبكة فوجدت صورة له 🙂

خلال تلك الفترة كنت أتنقل بين المحطات، وأسمع مختلف البرامج، حتى باتت لدي برامج مفضلة في أوقات محددة، صحيح أن أغلبها كان يدور في الأمور الاجتماعية عمومًا، وبعضها كان مما لا ينفع، لكنها كانت ذا تأثير على معرفتي بعد ذلك. وأخبركم سرًا، صادف عام “التوجيهي” بطولة كأس العالم، وبما أنني لم أكن قادرة على مشاهدة المباريات على التلفاز –حيث كنت لا أزال متابعة بقوة- فجاءت الفرصة للاستماع إليها من خلال إحدى المحطات التي تبث التعليق الصوتي، إضافة لبقائي على علم بآخر النتائج من خلال الأخبار. وفي بداية سنوات الجامعة بقيت على هذه الحال تقريبًا، فإذن يمكن القول أنها كانت السنوات الذهبية لي في الاستماع للمذياع وعلاقتي الشخصية معه –عدا عن العلاقة المتشكلة بصحبة أسرتي-.

tumblr_mgksiufJMn1qh97ogo1_500

اليوم، ولو أنني لم أتخلى عن عاداتي للاستماع عمومًا، لكنني لم أعد من مستمعي المذياع الأوفياء، وأعلم أني في الحقيقة لو أدرته ففي الغالب لن أجد شيئًا أستمع له؛ لتغير اهتماماتي وما أتطلع إليه أصلًا، وكذلك لأن معظم المحطات المحلية والمجاورة –باتجاهاتها المختلفة- بات الصخب والإعلانات المزعجة عنوانها.

بالطبع في عالم الإنترنت لم يعد الأمر يقتصر على الاستماع لما يلتقطه المذياع من محطات، فالشبكة تقرب كل بعيد، حتى يمكن الاستماع لبرامج محددة، دون تقطيع أو إعلانات، لكن في الحقيقة من أجمل ما أحبه في المذياع عمومًا (ويشترك التلفاز معه بذلك)، أنك لا تختار ما تستمع له، ولا وقت البداية والنهاية، أو إمكانية التوقيف، لا زلت أحب ذاك الترقب للإطلاع على شيء يأتي في وقت محدد مع السعي لتكون حاضرًا حينها، أحب تلك المفاجأت التي تأتي فتعرفك على شيء جديد لم تكن تعرفه أو تفكر بمتابعته لو لم يحضره هذا الجهاز إليك. تلك المتعة الاستثنائية في عدم التحكم الكبير بالأشياء جميلة، وتعيطيني مؤشرات نفسية بالتسليم أكثر؛ ففي اعتقادي كلما زاد الإنسان قدرة على التحكم بما حوله قلّ تسليمه بما يخرج عن إرادته.

بأي حال يمكنني القول أنني من وقت لآخر ربما استمعت لبعض البرامج المسجلة على إذاعة BBC البريطانية، أو NHK اليابانية . وأذكر مرة أنني قمت بتحميل تطبيق Tune In والذي كان من خدماته الاستماع لمحطات الراديو في العالم، وحينها وجدت بعض الأشياء المثيرة للاهتمام خصوصًا المحطات الإذاعية المتواجدة في دول غير عربية لكنها تبث بها. وأذكر تلك اللحظة التي وضعت بها يومًا على محطة يابانية وكان الوقت بعد منتصف الليل، وحينها قالت المذيعة باليابانية “أوهايو جوزايمس” = صباح الخير-نظرًا لأن اليابان تزيد عنا بفارق التوقيت-، بالفعل كانت لحظة مميزة.

والآن كذلك بالطبع تتوافر لدينا برامج “البودكاست“، الشبيهة لحد ما ببرامج الإذاعة، وفي الحقيقة سعيدة جدًا بهذه التقنية ودخولها إلينا، وتنوع البرامج التي تبث من خلالها، رغم أنها –كأي تقنية أخرى- ستحوي الغث والسمين، وأدرك أن حبي وحماسي لها تحديدًا كان بسبب المذياع، ذاك الجهاز الفريد.

نهاية وبالعودة للذكريات، فأذكر منذ عهد قريب اتصلت بي ابنة خالتي، والتي لديها هي الآخرى قصص وأيام مع المذياع، كما وتؤمن أن صوتها إذاعي ومناسب أن تعمل في إحدى المحطات 😋 يومها ومن دون تخطيط قمنا بعمل تمثيلية عفوية بحيث تؤدي هي دور المذيعة في أحد البرامج، وأنا الضيف الذي شرفتني باستضافه😁، لليوم لا أزال أذكر تلك المكالمة بكل حب وأحنّ للجو الذي أحاطتني به ولو لوقت قصير.

كانت هذه بعض حكايا المذياع، وسأسعد بإخباري أي قصص لك معه، أو إن كانت هناك أي برامج إذاعية حالية تستحق الاستماع. وكالعادة شكرًا لقراءتك هذه التدوينة🌸

الإعلانات

7 أفكار على ”في حب الأشياء : المذياع

  1. غادة 🌿

    للأن أحبه جدا بس أصبحت برامجه سخيفه و تفوق البودكاست عليه بمراحل رغم هذا لازال حبه في قلبي وأتمنى أن ترجع أيامه

    Liked by 1 person

  2. كنت من عشاق المذياع في الصغر ومعه المسجل، حيث كنت أقوم بتسجيل بعض البرامج من الإذاعات التي كُنت أتابعها هي BBC على ما أذكر كان هُناك برنامج عن العلوم لا أذكر اسمه بالضبط، أظنه دنيا العلوم، لكن لا أزال أذكر صوت مقدمته.
    كان لدي عدد من أشرطة التسجيل بها بعض التسجيلات من التلفاز ولقاءات مع أصدقائي وافتتاحية بالقرآن لصديق كان يدرس في مدرسة لتحفيظ القرآن وكان صوته رائع في القراءة، للأسف معظمها ضاع ما عدا واحد لكنه انقطع لكني ما زلت احتفظ به لعلي أشتري مسجل خصيصاً له وأحاول تصليحه بإذن الله.

    Liked by 1 person

  3. تنبيه: روابط: صابون! – صفحات صغيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s