عزلة عن الشبكة: التجربة (2)

17904019_674358236081459_2169551512910761310_n.jpg

استكمل معكم في هذه التدوينة باقي المخرجات التي أسفرت عنها تجربتي مع العزلة عن الشبكة:

استمرارية في أداء الأعمال

أدائي للأعمال كان باستمرارية أكثر ودون مقاطعة، ومباشرة للغاية التي أريدها. فقبل ذلك مثلًا كنت أدخل غرفتي لأمر ما فأنشغل بالهاتف، أو أقطع تسلسل روتيني الصباحي بانشغالي بتفقد بعض الأشياء التقنية، بالفعل أنني منذ فترة بدأت بإيقاف بعض التطبيقات لفترات معينة من اليوم وكان هذا ذا فعالية، لكن مع عدم وجود الشبكة وهاتف محدود المهام الأمر كان الأمر ذا نجاعة أكبر، فحتى لو أمسكت الهاتف بحكم العادة فعند تذكري أن لاشيء يمكنني فعله أتركه مباشرة.

تقليل التشتت

ربما تكون هذه النقطة مرتبطة بما سبق لكنني هنا أود التركيز أكثر على التشتيت البصري والذهني، وهذا ما لاحظته أكثر شيء بعد انتهاء العزلة والعودة للشبكة، فعلى سبيل المثال وأنا أشاهد إحدى الفيديوهات على اليوتيوب كانت الفيديوهات الأخرى تطل علي من كل ناحية، ونعم أنا أعلم بوجودها سابقًا لكن ملاحظتي لها كانت أكبر بعد فترة من البعد، فخلال العزلة كنت فقط بكامل تركيزي مع المادة التي أشاهدها في تلك اللحظة فقط ومنشغلة بها. والأمر لا يتعلق فقط بأن تشاهد الأشياء بشاشة كاملة فيغيب الباقي عن نظرك، بل أيضًا بكمية المشتتات الجديدة حولك والتي ربما تثير فيك الفضول، وعلمك أنها على بعد نقرة واحدة فقط، فحتى لو لم تنساق معها أو أجلتها لوقت لاحق، فقد قامت بتشتيت انتباهك، وكذلك أدت الغرض منها بأن حظيت بشيء من اهتمامك وتفكيرك وهذا يعني بقاءك لفترة أطول كما يبغي صناع هذه المواقع، والقادم أروع طبعًا😁.

وهنا تذكرت شيء ذكره الأخ عبد الله في مراجعة لتطبيق pocket، أنه في حال حفظ الفيديوهات في التطبيق يمكن مشاهدتها خارج اليوتيوب، ورغم أنني أستخدم pocket  كثيرًا لكن لم أجربه للفيديوهات، ووجدتها فكرة جيدة وربما أبدأ بالبحث عن شبيهاتها للمواد المختلفة.

شيء آخر أنني في السنوات الأخيرة توقفت تقريبًا عن تحميل المقاطع المرئية والصوتية على الأجهزة لأنها موجودة على الشبكة والشبكة متوافرة دومًا تقريبًا وبسرعات عالية، فلم أعد أرى داعٍ لذلك، وجاءت نقطة التشت لتشكل دفاعًا لفعله. صحيح أنني سعيدة بوجود المواد على الشبكة وهذا يعني حفظ أكبر لها في حال تلف أو عطب للأجهزة بعد تجارب قاسية كثيرة (ربما مر فيها معظمكم) لكن وجود نسختين أفضل من واحدة😁.

على الهامش: منذ فترة كنت أستمع لحوار وجاء سؤال أن لماذا لا يزال هناك من يشتري الأسطوانات المدمجة؟ ومن ضمن الإجابات كانت أنك عند شراءك للمواد بأنواعها من الشبكة كiTunes  مثلًا، فهذا لا يجعلك تمتلكها فعلًا، وهذا يعني أنها يمكن أن تذهب في أي وقت! فهذا مما يدفع البعض للحصول على نسخة (فيزيائية) خاصة. تذكرت حينها أنه أحيانًا فعلًا تحذف بعض المواد من المواقع فأعود ولا أجدها، وفكرت أنه يمكنني توفير نسخة لا تحتاج الإنترنت ولا يملكها أحد لموادي المفضلة على الأقل، خصيصًا غير المشهورة منها والتي ربما لا تعود للتوفر، فهنا دافع آخر لذلك.

لا تحصر نفسك

الشبكة عالم واسع وكبير ومليء بالعوالم المختلفة، جميعنا يعلم ذلك لكن في غالب الأوقات نقوم بحصر أنفسنا في نطاقات معينة منها، حسنًا أنت لا تفعل هذا بنفسك فالكثير من الخدمات والمواقع تتعمد فعل ذلك لتبقيك في دائرة تظن نفسك تختار كل ما فيها وفي الحقيقة أنت تطالع ما يفترض عليك. ورغم زعمي الشخصي أنني أكثر انعتاقًا من هذا وأنني أقوم بالإبحار بالشبكة بتوسع وأكتشف مواقع وصفحات يتسأل الناس كيف أصل لها، لكن أدركت أيضًا أنني بطريقة ما أدور في محاور معينة، فهناك أبواب أكثر وأكثر لطرقها، والعالم الحقيقي واسع ومتعدد الثقافات، والتاريخ حافل بالأحداث والحكايات، فلماذا أحصر نفسي أحيانًا في نطاق مكاني وزماني محدد. فمما  تعلمته عدا أن العالم أكبر مما هو موجود على الشبكة، أن ما هو موجود عليها هو أكبر مما نحد به أنفسنا.

تدوينة مقترحة: ألم يحن الوقت للعالمية، وماهي قصتي مع القهوة العربية (من مدونة أبو إياس)

وهنا أود ذكر ملاحظة صغيرة، فربما ينغمس البعض بثقافة أو حقبة زمنية معينة وينسى نفسه هناك، حتى يصبح بعيدًا وغريبًا عن واقعه الذي يعيشه، فالمطلوب ليس الغرق بها وإنما اكتشافها والأخذ منها بما يعين على عيش حياتك الحالية.

الشبكة موجود في كل كمان

أن تقرر أنت أن تنعزل عن الشبكة، هذا لا يعني أنها ستختفي من حولك، فهي شيء واقع وأساسي الآن كوجود الماء والكهرباء، وهي موجودة باعتيادية وتلقائية وتصرفاتنا معها عفوية، فخلال العزلة كنت في حال أمسكت مصادفة أي جهاز حولي لأفراد العائلة فلا إراديًا مثلًا أجد يدي تتجه لتطبيقات معينة، ثم أذكر نفسي بأني منقطعة عنها، لأنها ببساطة أضحت شيئًا أصيلًا في أيامنا، والكثير من أحاديثنا وتصرفاتنا مرتبط بها.

إجازة مرضية دون شبكة

أصابتني وعكة صحية خلال العزلة، ومع أنها كانت بشكل ما عائقًا عن ممارسة بعض النشاطات، لكنها أيضًا كانت بمثابة الاختبار، ففي مثل هذه الحالات في العادة أبقى في السرير ممسكة بهاتفي أشاهد موادًا أو أتجول بالإنترنت على غير هدىً، هذه المرة لا وجود للإنترنت، في لحظة ما شعرت أنني أفتقد شيئًا ما، لكن في نفس اللحظة شعرت بالسعادة والراحة :).

علاقتي المضطربة مع الهاتف

في الحقيقة أنا أحب هاتفي الحالي، وكثيرًا ما أعبر له عن شعوري هذا😅 لكن الفكرة أنني لا أحب هيئتي وأنا أستخدمه وأفضل جدًا أن أفعل ذلك وأنا جالسة وحدي وفي غرفتي مثلًا، أو في حديقة المنزل في مكان قصي، حتى أحيانًا يطلب مني أخي التوجه لغرفة الجلوس فأقول له أنني الآن استخدم الهاتف، فيقول لي ببساطة: خذيه معك🙄 ولا أقبل ذلك، خصيصًا إذا كنت أريد الجلوس مع عائلتي. ولا أزال أفعل شيئًا مضحكًا كلما مر أبي أو أمي بغرفتي وأنا أستخدم الهاتف، فأضعه أو ألقي به مباشره من يدي، رغم أنهم لن يعاتبونني مثلًا لذلك 😁 لكن حين يحصل الموقف وأكون مشغولة بالهاتف وهما يتكلمان معي حتى لو لأمر بسيط، أتضايق من نفسي جدًا. ويزداد كرهي للأمر برمته حين أمر بأشخاص جالسين وكلٌّ منهم منشغل بهاتفه؛ فأتخيل نفسي وأنا أفعل نفس الشيء وكيف أنني أكون هائمة في عالم آخر في حال أن منظري بالخارج هو هكذا!

هذا الموضوع ليس جديدًا لكنني في هذه العزلة أستطعت تطبيقه أكثر، وكبحت نفسي عن بعض التجاوزات التي أفعلها رغم أنني لا أتفق معها، واكتشفت ماذا كنت أخسر من جمعات عائلية جميلة، أو مراقبة للأطفال ولعبهم لانشغالي بالهاتف.

اللابتوب أفضل

مما أعرفه عن نفسي أنني أفضل استخدام اللابتوب على استخدام الهاتف، وإذا ما خُيرت بينهما سأختار الحاسوب بالطبع، وبالفعل جربت لظروف معينة من عطب وغيره الانقطاع عنهما، فكان البقاء دون هاتف أسهل بكثير. هذا الأمر تأكد لي أكثر وأكثر خلال هذه العزلة، فأولًا لا أشعر بنفس الشعور المذكور في الفقرة السابقة من حرج وتضايق لاستخدام الحاسوب أمام الناس، وثانيًا لأنني في الغالب أستخدمه لأغراض أكثر أهمية وأترك الاستخدامات السهلة والاستهلاكية للهاتف، ونهاية أنه ليس سهل التنقل كثيرًا كما الهاتف الذي تستطيع الانشغال به بكل سهولة. وبالفعل قررت نقل المزيد من المهمات للحاسوب حتى لو عنا هذا مجهودًا أكبر.

لا داعي لمعرفة كل الأخبار

أنا من الأشخاص الذين لا يحبون معرفة تفاصيل حياة الأشخاص الآخرين، حتى المقربين جدًا مني هناك بعض الأمور التي لا أعرفها عنهم ولا أفكر بسؤالهم عنها حتى، بالمقابل أهتم بتلك التفاصيل التي ستجعل من طبيعة علاقتنا ومساعدتنا لبعضنا أفضل، لذلك تطبيق مثل snapchat ومعرفة ما يفعله الآخرون شيء بعيد عني. لكن بطبيعة الحال حين يكون التواصل متوافرًا وفي أي وقت ستعرف تفاصيل أكثر، وما حصل أنه عند غيابي –في هذه العزلة أو في سابقها- أن هناك بعض الأمور التي لم أعرفها، وفقط علمت العناوين العريضة لها بعد ذلك، ومنها مثلًا أن أتتني مفاجأة جميلة لحظة إعادتي للشبكة، برسالة من صديقتي تقول بها أنها ستصل لأرض الأردن يوم السبت، أي أنها قد وصلت خلال قبل وقت قرأتي للرسالة😁 كنت سعيدة جدًا بهذه المفاجأة، وأيضًا سعيدة أنني لم أعرف التفاصيل، فلربما أبقى بترقب وقلق وانتظار.

أنا أدرك أن وسائل الاتصالات الآن هي نعمة كبيرة وأننا لا نضطر -كما يقول أبي- لانتظار رسالة من الأحبة كل شهور للاطمئنان عليهم، لكن بالمقابل البعد ومعرفة الأخبار الكبيرة فقط يجعل كل إنسان أكثر انشغالًا بحياته، وأقل قلقًا بتفاصيل المشاكل والأمور، خصوصًا تلك التي لا يمكنه تقديم شيء فيها، فالحياة بكل الأحوال ستمضي وما قدره الله سيكون.

الإعلان

8 أفكار على ”عزلة عن الشبكة: التجربة (2)

  1. حنين داغر

    مُذ عرفتك نَوار وقد وصفتك بالقوية الحازمة التي تعرف ما تُريد وتعمل له.
    تجربتك رائعة وذكرتني بعزلتي السنة الماضية، لم تكن بروعة تجربتك فقد كانت دون استعداد أو تجهيز لأي شيء وأعترف أنني كنت أستعمل جهاز أمي بضعة دقائق في اليوم، ولكن روعة الشعور بأنك تشعر بالإنجاز فيزداد تقديرك لنفسك وحبك للعمل وتصبح أكثر إشراقاً :)

    أتمنى حقاً عزلة دون هاتف أو حتى حاسوب، أذكر مرة قُطعت الكهرباء عندنا لعدة ساعات وتصادف خلو هاتفي من الشحن وبدون إنترنت، أمسكت رواية لأيمن العتوم – ليس كتابا ذو مادة علمية ولكن ;) – وأنهيت القراءة في بضع ساعات وكلما وددت استعمال هاتفي تذكرت أنه بلا فائدة فأقوم لعمل شيء آخر مفيد.

    مشكلتي أنني لا أملك ردع نفسي حقاً، وأفكر هل سأملكها يوماً ما!

    نوار اللطيفة، شكراً لك من القلب لمشاركتنا تجربتك.

    Liked by 1 person

    1. حنين❤️
      كل الشكر لتعليقك الجميل المبهج، وممتنةلإطرائك 😉
      سعدت بقراءة تجاربك التي ذكرتها وأتمنى أن تثمر عن تجربة أطول تحدثينا عنها مستقبلًا 🙂
      وبالطبع بإذن الله يمكنك امتلاك هذه القدرة وكل محاولاتك الصغيرة هذه هي محطات في طريق الوصول لذلك، لكن الأمر يحتاج الصبر والعمل ولا مانع من صحبة معينة كذلك🍀
      شكرًا مجددًا، وأتمنى لك كل التوفيق🌷

      Liked by 1 person

  2. أما أنا فأتحدى نفسي بالانقطاع والعزلة عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة شهر كامل، ولذلك أحببت تدوينتك هذه جدًا! وكل ما أستطيع قوله الآن هو شكرًا! شكرًا على التشجيع الغير مباشر يا نوار :)

    Liked by 1 person

    1. أهلًا يمنى، شرفتِ مدونتي الصغيرة🌟
      ما شاء الله أتمنى لكِ وقتًا مثمرًا وسعيدًا🌸
      الشكر لكِ لقراءتك وتعليقك💛

      إعجاب

  3. Esraa Bsharat

    اليوم وانا بقرأ في هالتدوينة انتبهوا عليها بنات خالي
    واتفاجئوا وانبسطوا انو في حد يقدر يستغني عن الانترنت.
    أما انا تعلمت منك من زمان كيف اعتزل السوشيال ميديا ولو بشكل بسيط جدا استعملها خلال شهر رمضان، صدقا كنت مبسوطة ومو مدايقة من الابتعاد عنها
    بالعكس كنت حس بالحرية اكتر
    شكرا الك💕

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s