وحدة!

original

كتابة تدوينة البارحة أبهجتني وأسعدتني حتى هذه اللحظة، لذلك هذا اليوم أيضًا سأكتب تدوينة أخرى بطابع “افتح قلبك”، وموضوع اليوم هو أمر مرتبط بي بشدة، ويمثل إحدى ركائز حياتي منذ الطفولة.

ذلك اليوم كنت أتحدث مع صديقتي أثناء استعدادي للخروج، ووسط الحديث التقطت لها صورتي لأسألها إن كان لباسي ملائمًا، أجابتني، فشكرتها كثيرًا، استغربت هي كل هذا الشكر، فأخبرتها لاحقًا أنني أفعل كل هذه الأمور وحدي، وسؤالي إياها هو أحد تلك المرات التي أكسر بها القاعدة، لذلك شكرًا كثيرًا. مرة أخرى كانت تحدثني إحدى قريباتي عن سعادتها الكبيرة لأنها خرجت لوحدها لوقت طويل ذاك اليوم، وكيف أنها للمرة الأولى تفعل ذلك دون أحدٍ من أخواتها أو صديقاتها، هنأتها بذاك الإنجاز، ثم رددت في نفسي: سبحان الله ما يبدو إنجازًا بالنسبة لها هو الوضع الطبيعي بالنسبة لي!

نشأتُ كفتاة وحيدة بين 5 أشقاء، 4 منهم يكبرونني بفارق عمري بمتوسط 10 سنوات، أقاربي جميعهم من جهة والدي ووالدتي يقطنون في قريتنا في إربد واللقاءات محصورة بالأعياد والمناسبات، والدي كان يعمل في وظيفة تستهلك جلّ يومه، يخرج ونحن نيام ونعود ونحن كذلك، وأمي مشغولة ب6 أبناء. لا شك أن كل هذا وغيره هو ما شكل شخصيتي الانطوائية عمومًا، لكن عدا ذلك هو ما عرفني بشعور الوحدة!

بالطبع في صغري قررت استبدال اللعب مع أبناء الحي (والذي لم يكن يحدث سوى قليلًا) بهوايات أخرى، وحتى لو تضمنت اللعب لكن أيضًا لوحدي، لا أزال أذكر نفسي جيدًا وأنا أصف الألعاب أو الأغراض وأخلق المشاهد، ليست المشكلة في هذا الأمر فالكثير من الأطفال يفعلون ذلك، لكن كان هذا الأمر هو الطبيعي والمتكرر كل يوم. أحيانًا أقيم مسابقات للسير على حافات الأحواض الزراعية، أو في تفتيت الحجارة الرملية لصنع لوحاتي الفنية، تجول كل هذه المغامرات وغيرها الآن في ذهني، ولا بطل آخر في الصورة عداي.

الوحدة هي ما كانت تجعلني أبكي أحيانًا من الخوف حين لا أستطيع النوم، ومن الضيق لأني لا أجد من يمكن أن أبثه حزني، هي ما كانت تسلل لقلبي الحسرة لأن الجميع –بظني- يملك الأصدقاء والأحبة غيري، وبل ويمكن أن تفقدني بعض القيمة لأهميتي ووجودي.

هل شعرت بأي حزن تجاهي بعد هذه السطور ؟ حسنًا لا داعي لذلك، فما أخبرتك به في الفقرة السابقة ما هو سوى مجرد الجزء الأصعب في البقاء وحيدًا، لكنني متصالحة مع وحدتي، بل وأيضًا قد جنيت منها الكثير.

لكن وقبل الاسترسال بفوائد الوحدة، وكقفزة زمنية سريعة، فالحال الآن مختلف نوعًا ما عن الصغر فرغم أنني لا زلت أفضل بعض مظاهر الانطوائية كالجلوس في المنزل والعمل منفردة، لكن أعتقد أن لدي مهارات اجتماعية جيدة جدًا، لدي أصدقاء من مختلف الأقطار والأعمار، وأستطيع التعرف على الآخرين بسهولة.

بداية كان البقاء وحيدًا في الصغر مدعاة للبحث عما يمكنه تحقيق الأنس لي، حسنًا عدا عن الأصدقاء الخيالين😋 ورغم أنني لا أذكر تحديدًا كيف تعرفت على الله من والديّ، لكنني أذكر جيدًا العلاقة الوطيدة التي شكلتها مع ذاك الخالق، وكيف أنني عرفت الكثير من صفاته فقط من تتبع رحمته وعظمته في أحوال حياتي، كيف كان ينقذني في كل مرة، وكيف يسمعني حين أناجيه، وكيف يستجيب دعائي حين أسأله، لذلك لليوم أعتبر الدعاء (كفعل) من أهم الأمور التي شكلتني. لن أسهب طويلًا في هذا الفصل فالشرح يصعب، لكنني أشكر الله على تلك الوحدة التي كانت سببًا لمعرفتي إياه أكثر.

أذكر كذلك كيف كنت شغوفة بقصص السيرة النبوية وقصص الأنبياء والصحابة الكرام، أذكر تطور استماعي لها من أهل بيتي ثم بالقراءة ثم مشاهدة حلقات البرامج أو سماعها، وكيف أنني دومًا كنت أعرف قصصًا وأسماء أكثر من أقراني، لا زال هذا الشغف فيّ حتى اليوم، ومما أظنه أن جزءًا من هذا الحب كان بسبب تلك الوحدة، ليعوضوا مكان الصحب والأصدقاء، ونعم الصحب هم.

حسنًا لننتقل الآن لأبعاد أخرى، فمثلًا في قضية التعلم الذاتي، لا أستطيع أن أحصي عدد الأمور التي اضطررت أو اخترت أن أتعملها وحدي، ووحدي لا تعني أنني لا آخذ بآراء الأخرين أو مقترحاتهم، فالأمر بعكس ذلك، لكنني ما كنت أستخدم السؤال المباشر أو لا أسمح لأحد بالمشاركة الكاملة، فكنت استخدم هوايتي في الاستماع والإنصات، وبعض مهارات البحث لأصل للمعلومات التي أريد، وربما تأتي بعدها مرحلة التجربة، ومنها ما كان ينجح ومنها ما كان يضطرني إلى المحاولة مرارًا. والحمدلله لليوم لا زلت أتعلم ذاتيًا بل إن من أهم وسائل تعلمي هي تجاربي وإخفاقاتي الخاصة.

ورغم تعدد الدوافع التي تجعلني أحب مساعدة الناس والمبادرة إلى ذلك، لكن سببًا مهمًا منها يعود إلى هذه الوحدة كذلك، ففي كل مرة أرى إنسانًا يحتاج شيئًا ما أو تظهر عليه ملامح ذلك –وإن لم ينطق-، فأقول لنفسي ربما هو وحيد لكن لم يجد من يساعده، وفي كل مرة تدخل مستجدة إلى مكان كالمدرسة، أو المركز أو حتى هنا في عالم التدوين، في العادة ما أهرع للسلام والتعرف عليها ومعرفة إن كان بإمكاني مساعدتها، لأنني أعرف أن شعور الوحدة صعب وأن الأمر لا يحتاج أكثر من شخص واحد وبعض الكلمات ليصبح أفضل. ومن أكثر العبارات التي أحبها: “أنا أعطي؛ لأنني أعرف شعوري عندما أحتاج“.

وللعلم فقد اعتدت كذلك أن أقضي الكثير من المشاوير وحدي، فشراء الحاجيات أو خروجي للتسوق لشراء الملابس وما سواها أيضًا يكون وحدي، وأعلم أن هذا يبدو صعبًا جدًا بالنسبة للبعض. نعم أخفق أحيانًا وأقع في أخطاء، وأقول ربما لو شاركني أحدٌ كان سيلفت نظري لها، لكن في الغالب تكون النتيجة جيدة، وكل إخفاق جديد أدونه في قائمة وصاياي حتى لا اقترفه مجددًا. لا يعني هذا أنني أرفض أو أكره التسوق مع أحد، فأنا أجرب ذلك أحيانًا لكن أنا أكره عملية التسوق أصلًا ووجودي مع أناس لا أرتاح لهم تمامًا مثلًا، أو اضطر لشرح الكثير من اختياراتي لهم، أو من يستغرقون وقتًا طويلًا قد يجعلني أرفض فعلًا. بشكل عام خروجي لوحدي يريحني أكثر ويسرع من أدائي. بل وكم يسعدني خوض بعض المغامرات الصغيرة، وإتاحة الفرصة للتعرف على الغرباء، أو مجرد السير والتنزه مع نفسي.

الوحدة يمكن أن تخرج بنتائج عكسية، فما أن ينطلق هذا الوحيد للعالم حتى يحاول تعويض وحدته بشتى الطرق، والتي ربما تصل إلى التعلق بالأشخاص أو الاشياء إلى حدٍ غير صحي. لكنني أحمد الله وأشكر له عنايته، أنني لم أتورط في ذلك، بل كانت وحدتي هي الدافع لأبقى دومًا على حذر لألا اقترب أو أتعلق كثيرًا، وساعدتني في تشكيل الحدود مع الآخرين. صحيح أنني أحيانًا كنت أتلقى اللوم من المقربين لوضعي حدودًا زائدة أو إخفائي الكثير من نفسي عنهم، لكنني أيضًا أعمل على تهذيب هذه الأشياء، ومنها مثلًا تعلمي فائدة مشاركة مشاكلي وهمومي مع الآخرين، وكيف أن المشاركة تعود على النفس بنتائج لم تكن لتصلها لو بقيت حبيسة أفكارها وهواجسها فقط، وأعتقد أن هذه التدوينة جزء من هذه المشاركة.

الوحدة ليست سيئة مطلقًا، فرغم بعض الصعوبات والتقلبات لكنني ممتنة لها بالكثير، فالحمدلله لم تكن لدي يوم مشكلة في البقاء وحدي أوالجلوس مع نفسي، أو تقليل تعلقي بأي شي، الوحدة هي ما تجعل آراء الآخرين ونظرتهم تجاهي تصغر في عيني، هي ما تجعلني على دراية عما يحصل بي من مشاعر وردود أفعال، وهي ما تجعل بعض الأمور الصعبة للآخرين تبدو بمنتهى السهولة والتلقائية بالنسبة لي.

في النهاية إن كنت وحيدًا في نشأتك، أو شاءت لك الظروف أن تكون وحيدًا، فأنا أدرك جيدًا أن الوحدة في بعض الأحيان صعبة، وربما صعبة جدًا، لكن لا تلقي بكل اللوم عليها ولا تستلم لآثارها السلبية، بل حاول استغلالها ففي الوحدة ما لن تجده في غيرها.

الإعلان

6 أفكار على ”وحدة!

  1. فعلًا إذا أحببت الوحده وتعايشت معها ستنجز ما لا يستطيعه الآخرون المحاطون دومًا بالأشخاص ولكن ستمر عليك أوقات تتمنى أنك لم تكن .. والله سينقذك ويطمئن قلبك،، أحببت ما كتبتيه💛💫.

    Liked by 1 person

  2. تنبيه: ثرثرة خريفية – نواريات

  3. تنبيه: التدوين في 2019 – نواريات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s